الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
40
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على الظرف لا يخفضه سوى حرف . وفسره بظرف ( عند ) ولا خصوصية ل ( عند ) بل ذلك في جميع الظروف غير المتصرفة . وتكرير وصف الرَّحْمنُ عقب الآية السابقة للوجه الذي ذكرنا في إيثار هذا الوصف في الآية السابقة . وذيل هذا بالاعتراض بقوله : إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ، أي ذلك شأن الكافرين كلهم وهم أهل الشرك من المخاطبين وغيرهم ، أي في غرور من الغفلة عن توقع بأس اللّه تعالى ، أو في غرور من اعتمادهم على الأصنام فكما غر الأمم السالفة دينهم بأن الأوثان تنفعهم وتدفع عنهم العذاب فلم يجدوا ذلك منهم وقت الحاجة فكذلك سيقع لأمثالهم قال تعالى : وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها [ محمد : 10 ] وقال أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ [ القمر : 43 ] فتعريف الْكافِرُونَ للاستغراق . وليس المراد به كافرون معهودون حتى يكون من وضع المظهر موضع الضمير . والغرور : ظن النفس وقوع أمر نافع لها بمخائل تتوهمها ، وهو بخلاف ذلك أو هو غير واقع . وتقدم في قوله تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ في آخر آل عمران [ 196 ] وقوله : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً في الأنعام [ 112 ] وقوله : فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا في سورة فاطر [ 5 ] . والظرفية مجازية مستعملة في شدة التلبس بالغرور حتى كأنّ الغرور محيط بهم إحاطة الظرف . والمعنى : ما الكافرون في حال من الأحوال إلّا في حال الغرور ، وهذا قصر إضافي لقلب اعتقادهم أنهم في مأمن من الكوارث بحماية آلهتهم . [ 21 ] [ سورة الملك ( 67 ) : آية 21 ] أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ( 21 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ انتقال آخر والكلام على أسلوب قوله : أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ [ الملك : 20 ] ، وهذا الكلام ناظر إلى قوله : وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [ الملك : 15 ] على طريقة اللف والنشر المعكوس .